سيد محمد طنطاوي
379
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة ، ويعلم آخرين منهم * ( لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ ) * أي : لم يجيئوا بعد وسيجيئون . . . وهم كل من آمن بالرسول من بعد الصحابة إلى يوم القيامة . قال صاحب الكشاف : وقوله : * ( وآخَرِينَ ) * مجرور عطف على الأميين يعنى : أنه بعثه في الأميين الذين على عهده ، وفي آخرين من الأميين الذين لم يلحقوا بهم بعد ، وسيلحقون بهم ، وهم الذين بعد الصحابة . وقيل : لما نزلت قيل : من هم يا رسول اللَّه ، فوضع يده على سلمان ثم قال : « لو كان الإيمان عند الثريا لتناوله رجال من هؤلاء » . وقيل : هم الذين يأتون من بعدهم إلى يوم القيامة . ويجوز أن ينتصب عطفا على المنصوب في * ( ويُعَلِّمُهُمُ ) * أي يعلمهم ويعلم آخرين ، لأن التعليم إذا تناسق إلى آخر الزمان كان كله مستندا إلى أوله ، فكأنه هو الذي تولى كل ما وجد منه . . « 1 » . والمتأمل في هذه الآية الكريمة يراها تشير إلى أن دعوة النبي صلى اللَّه عليه وسلم ستبلغ غير المعاصرين له صلى اللَّه عليه وسلم وأنهم سيتبعونها ، ويؤمنون بها ، ويدافعون عنها . . وهذا ما أيده الواقع ، فقد دخل الناس في دين اللَّه أفواجا من العرب ومن غير العرب ، ومن أهل المشارق والمغارب . . فالآية الكريمة تخبر عن معجزة من معجزات القرآن الكريم ، ألا وهي الإخبار عن أمور مستقبلة أيدها الواقع المشاهد . وقوله - تعالى - : * ( وهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) * تذييل المقصود به بيان أن قدرته - تعالى - لا يعجزها شيء ، وأن حكمته هي أسمى الحكم وأسداها . أي : وهو - سبحانه - العزيز الذي لا يغلب قدرته شيء ، الحكيم فيما يريده ويقدره ويوجده . واسم الإشارة في قوله : * ( ذلِكَ فَضْلُ اللَّه يُؤْتِيه مَنْ يَشاءُ . . . ) * يعود إلى ما تقدم ذكره من كرمه - تعالى - على عباده ، حيث اختص رسوله محمدا صلى اللَّه عليه وسلم بهذه الرسالة الجامعة لكل خير وبركة ، وحيث وفق من وفق من الأميين وغيرهم ، إلى اتباع هذا الرسول الكريم . .
--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 530 .